مركز الثقافة والمعارف القرآنية
317
علوم القرآن عند المفسرين
وينبغي له أن يكون ممن يؤمن شرّه ، ويرجى خيره ويسلم من ضرّه ، وألا يسمع ممن نمّ عنده ، ويصاحب من يعاونه على الخير ويدلّه على الصدق ومكارم الأخلاق ، ويزينه ولا يشينه ، وينبغي له أن يتعلّم أحكام القرآن ، فيفهم عن اللّه مراده وما فرض عليه ، فينتفع بما يقرأ ويعمل بما يتلو ، فما أقبح لحامل القرآن أن يتلو فرائضه وأحكامه عن ظهر قلب وهو لا يفهم ما يتلو ، فكيف يعمل بما لا يفهم معناه ؟ وما أقبح أن يسأل عن فقه ما يتلوه ولا يدريه ، فما مثل من هذه حالته إلّا كمثل الحمار يحمل أسفارا . وينبغي له أن يعرف المكىّ من المدنىّ ليفرّق بذلك بين ما خاطب اللّه به عباده في أوّل الإسلام ، وما ندبهم إليه في آخر الإسلام ، وما افترض اللّه في أوّل الإسلام ، وما زاد عليه من الفرائض في آخره . فالمدنىّ هو الناسخ للمكّى في أكثر القرآن ، ولا يمكن أن ينسخ المكّى المدنىّ ، لأن المنسوخ هو المتقدّم في النزول قبل الناسخ له . ومن كماله أن يعرف الإعراب والغريب ، فذلك مما يسهّل عليه معرفة ما يقرأ ، ويزيل عنه الشك فيما يتلو . وقد قال أبو جعفر الطبرىّ : سمعت الجرمىّ يقول : أنا منذ ثلاثين سنة أفتى الناس في الفقه من كتاب سيبويه . قال محمد بن يزيد : وذلك أن أبا عمر الجرمىّ كان صاحب حديث ، فلما علم كتاب سيبويه تفقه في الحديث ، إذ كان كتاب سيبويه يتعلّم منه النظر والتفسير . ثم ينظر في السنن المأثورة الثابتة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فبها يصل الطالب إلى مراد اللّه عزّ وجل في كتابه وهي تفتح له أحكام القرآن فتحا ، وقد قال الضحاك في قوله تعالى : وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ « 1 » . قال : حقّ على كل من تعلّم القرآن أن يكون فقيها . وذكر ابن أبي الحوارىّ قال : أتينا فضيل بن عياض سنة خمس وثمانين ومائة ونحن جماعة ، فوقفنا على الباب فلم يأذن لنا بالدخول ، فقال بعض القوم : إن كان خارجا لشئ فسيخرج لتلاوة القرآن ، فأمرنا قارئا فقرأ فاطّلع علينا من كوّة ، فقلنا : السّلام عليك ورحمة اللّه ، فقال : وعليكم السّلام ، فقلنا : كيف أنت يا أبا علىّ ، وكيف حالك ؟ فقال : أنا من اللّه في عافية ومنكم في أذى ، وإن ما أنتم فيه حدث في الإسلام ، فإنا للّه وإنا إليه راجعون ! ما هكذا
--> ( 1 ) سورة آل عمران : الآية 79 .